أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

341

شرح مقامات الحريري

المنازل : فيكتبون فيها ما لا خير فيه ، قلت : وما هو ؟ قال : ألا ترى ما على الحائط مكتوبا : [ الطويل ] أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك ، وأمر اللّه لا بدّ نازل أبا جعفر ، هل كاهن أو منجّم * يردّ قضاء اللّه أم أنت جاهل ؟ فقلت : واللّه ما على الحائط شيء ، وإنه لنقيّ أبيض ، قال : واللّه ، قلت : واللّه . قال : إنها واللّه نفسي نعت إليّ الرحيل ، بادر بي إلى حرم اللّه وأمنه هاربا من ذنوبي وإسرافي على نفسي ، فرحلنا ، وثقل حتى بلغ بئر ميمون ، فقلت له : قد دخلت الحرم ، قال : الحمد للّه ، وقبض من يومه ، ولمّا حضرته الوفاة ، قال : هذا هو السلطان ، لا سلطان من يموت . عليّ بن يقطين ، قال : لمّا كنا مع المهديّ بماسبذان ، قال لي : أصبحت جائعا فائتني بأرغفة ولحم بارد ، فأكل ونام في البهو ، فما استيقظ إلا لبكائه ، فبادرنا فقال : أما رأيتم ما رأيت ، وقف عليّ رجل لو كان في ألف ما خفي عليّ ، فقال : [ الطويل ] كأنّي بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد الملك من بعد بهجة * إلى قبره تحثى عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه * ينادى عليه معولات حلائله فما أتت عليه عشرة أيام حتى توفّي . قال الأصمعيّ : دخلت على الرشيد يوما ، وهو ينظر في كتاب ، ودموعه تنحدر على خده ، فالتفت وقال : اجلس ، أرأيت ما كان منّي ؟ قلت : نعم ، قال : أما إنه لو كان من أمر الدنيا ما رأيت هذا ، ثم رمى إليّ به ، فإذا فيه مكتوب لأبي العتاهية : [ الكامل ] يا مؤثر الدنيا بلذّتها * والمستعدّ لمن يفاخره « 1 » نل ما بدا لك أن تنال من ال * دّنيا فإنّ الموت آخره هل أنت معتبر بمن خربت * منه غداة قضى عساكره وبمن خلت منه أسرّته * وبمن خلت منه منابره أين الملوك وأين غيرهم * صاروا مصيرا أنت صائره ثم قال : كأنّي أخاطب بهذا دون كلّ الناس ، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات . ولمّا رجع المأمون من غزوته التي افتتح فيها أربعة عشر حصنا نزل على عين تعرف بالعشيرة ، ينتظر رجوع رسله من الحصون ، فأعجبه برد مائها وصفاؤه ، وحسن

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان أبي العتاهية ص 123 .